(أنا أخلاقي هنا..!!)

 

                                                                              للكاتب:أ/علي صالح طمبل

في أثناء قيادته للسيارة عرض له عارض فمال دون قصد منه على سيارة تسير إلى جواره؛ مما أربك سائقها، فلحق به، فإذا هي امرأة يتفجر وجهها غضباً، فلما حاذته صرخت وهي ترغي وتزبد:

– يا حمار!

فابتسم ابتسامة هادئة وقال لها:

– شكراً.

ثم مضى في طريقه وكأن شيئاً لم يحدث!
فلحقت به وهي في دهشة من أمرها ورفعت صوتها قائلة له:

– هل سمعتني؟! لقد قلت لك إنك حمار!

فقال لها بذات الهدوء:

– نعم، سمعتك؛ وشكرتك لأني كنت أسمع من يقول لي يا حيوان، وكنت أتساءل أي نوع من الحيوانات أنا، فلما قلتِ لي يا حمار عرفت الإجابة!

حينها لم تجد بداً من الاعتذار له وشكره على أدبه وحِلمه ورحابة صدره!

*

وعندما زار رجل دولة من دول شرق آسيا قال له صديقه المقيم هناك:

– أتحداك أن تجد أحداً يرفع صوته في الشارع أو يتشاجر بالأيدي كما في بلادنا!

فقبل ذلك الرجل التحدي، وأخذ يبحث عن مواصفات تتطابق على ما ذكره صديقه، إلى أن وجد بعد فترة طويلة رجلاً رافعاً صوته، فسأل عنه فإذا هو مختل عقلياً!

حينها أدرك كيف بلغت بعض الشعوب مدى بعيداً في التحضر حين ارتقت بسلوك الإنسان وهذبت أخلاقه.

*

أما في بلادنا فحدِّث ولا حرج عما تراه في الشوارع وإشارات المرور والأماكن العامة والمواصلات من رفع للأصوات والشتائم والسباب الذي يطلق عند أقل خطأ يقع من أحدهم، من أمثلة (يا حيوان، يا غبي، يا بليد، إتعلمت السواقة وين؟! العن أبو العلمك السواقة ذاته، بلد تافهة، ناس زي البهائم)، دون مراعاة لسنِّ من أخطأ أو مكانته الاجتماعية أو حالته النفسية عند الخطأ!

*

وصار معتاداً أن ترى عراكاً بالأيدي والأقدام بين اثنين أو يزيد، وجمهرة من الناس تتفرج، بينما يحاول البعض أن يفض العراك الذي تُتبادل فيه الشتائم والألفاظ الجارحة، ويبلغ فيه الغضب ذروته، ولا تستبعد أن يُخرج أحد المتشاجرين آلة حادة أو عصا فيضرب بها الآخر؛ فيصيبه بأذى جسيم أو يودي بحياته فيصبح نادماً على ما فعل،كما تطالعنا بذلك أجهزة الإعلام من حين لآخر؛ وكل ذلك بسبب عدم السيطرة على الغضب؛ ليجد الشيطان الفرصة سائغة ليتحكم في الإنسان ويوجهه أنَّى شاء في تلك اللحظة الشيطانية!

*

وبلغت بنا سرعة الغضب والاستفزاز أن صارت تلك سمة وعادة ملازمة للكثيرين؛ حتى صار البعض يشير لك إلى أنفه ويقول لك (أنا أخلاقي هنا) كناية عن سرعة غضبه وضيق خلقه! مع أننا ندَّعي أن النبي عليه الصلاة والسلام هو قدوتنا، وهو الذي زكاه الله عز وجل بأنه (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4]، فأين نحن من الاقتداء بأخلاقه والتأسي بشمائله وأحدنا يهيج ويثور عند أول هفوة أو كلمة تبدر من الآخرين؟!

*

أولم يخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن القوي الحقيقي ليس من يستطيع أن يصرع أخاه، بل هو الذي يملك نفسه عند الغضب؟! وأخبرنا أن صفات الحِلم والأناة وسعة الصدر صفات يحبها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه يمكن اكتسابها بترويض النفس ومجاهدتها؟!

فهذا يقطع الطريق على من يقول (جُبِلنا وفُطِرنا على سيء الأخلاق)، فقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث: (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم) [السلسلة الصحيحة: 342].

*

وكثيراً ما أفضى الغضب والحمق إلى ما لا تُحمد عقباه، وأوقع صاحبه في الندم والحسرة، وكثيرون أصيبوا بالأمراض بسببه، بل بعضهم فقد حياته حين أصابته نوبة قلبية مفاجئة، أو ارتفع ضغط دمه نتيجة للانفعال الزائد وعدم التحكم في النفس!

وكم من شخص فقد وظيفته أو مهنته في لحظة غضب، وكم من شخص استُبعد من المناصب القيادية والوظائف العليا حين عُرف بسرعة غضبه وشدة حمقه!

*

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلفنا الصالح من الصحابة والتابعين أسوة حسنة في كظم الغيظ والعفو عن الناس والتغاضي عن أخطائهم؛ مما يعدُّ نموذجاً لأرقى ما وصل إليه الكمال الإنساني والسموِّ البشري في هذا الباب.

*

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجذبه أعرابي جذباً شديداً من ردائه حتى يظهر أثر الجذب على كتفه، ثم يقول له: (يا محمَّد! مُرْ لي مِن مال الله الذي عندك)، فما كان من الرسول الله عليه الصلاة والسلام ذي الخلق العظيم إلا أن (التفت إليه ثمَّ ضحك، ثمَّ أمر له بعطاء) رواه البخاري (3149).

*

وفي الحديث (أن رجلًا شتم أبا بكر والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب، ويتبسم، فلما أكثر ردَّ عليه بعض قوله؛ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقام فلحقه أبو بكر، فقال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، قال: إنه كان معك مَلَك يردُّ عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان؛ فلم أكن لأقعد مع الشيطان) [السلسلة الصحيحة: 5/271].

*

وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول له أحدهم: (هِيْ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ وَلاَ تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ) [الأعراف: 199]، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ، وَاللَّهِ مَا جَاوَزَ

Ahmed Awad Tayaa, [٢٦.١٠.١٧ ١٣:١٢]
هَا عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ) رواه مسلم (161).

*

ورُويَ أنَّ جارية كانت تصبُّ الماء لعلي بن الحسين رضي الله عنهما، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجَّه، أي: جرحه، فرفع رأسه إليها، فقالت له: إنَّ الله يقول: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فقال لها: قد كظمت غيظي. قالت: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) قال لها: قد عفوت عنك. قالت: (وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134]، قال: اذهبي فأنت حرَّة لوجه الله!

*

ودخل عمر بن عبد العزيز رحمه الله المسجد ليلة في الظلمة، فمرَّ برجل نائم فعثر به، فرفع رأسه وقال: أمجنون أنت؟ فقال عمر: لا. فهمَّ به الحرس، فقال عمر: مه، إنما سألني أمجنون؟ فقلت: لا).

*

وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام من غضب أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان يتكلم أن يصمت؛ حتى لا يقول ما يندم عليه، وإذا كان واقفاً أن يجلس، وإذا كان جالساً أن يضطجع.

*

ليتنا نعلِّم ونربي أنفسنا وصغارنا ونكون قدوة في تحمُّل الآخرين وإيجاد العذر لهم، وامتلاك النفس عند الغضب، وكظم الغيظ، وليس ذلك انتقاصاً من مكانتنا أو دليلاً على جبننا وانهزاميتنا وضعفنا كما يظن الكثيرون، بل هو دليل على ابتغائنا الأجر والمثوبة من الله تعالى، وتنازلنا وإنكارنا لذاتنا من أجله، ودليل على قوتنا وامتلاكنا لناصية أنفسنا، فـالقوي من يملك نفسه عند الغضب كما تقدّم، و(وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا) كما قال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم (2588).

*

وتُشحذ همتنا إذا علمنا أن جزاء كظم الغيظ مع القدرة على إنفاذه، وتمالك النفس عند الغضب هو سلعة الله الغالية (الجنة) لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تغضب ولك الجنة) (صحيح الجامع)، ولقوله عليه الصلاة والسلام: (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيِّره من الحور العين ماشاء) حسنه الألباني .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *