انشر!.. فضيحة..!!

 

                                                                     للكاتب :أ/علي صالح طمبل

سأل المحاضر الدارسين أن يصفوا له ما يرونه مشيراً إلى لوحة بيضاء في وسطها نقطة سوداء، فكانت معظم الإجابات: نرى نقطة سوداء.

فقال لهم المحاضر:

– معظمكم ركّز على النقطة السوداء، ولم يُلقِ بالاً للمساحة الكبيرة من البياض؛ لأنكم تركزون دائماً على الجوانب
 السلبية والجزء الفارغ من الكوب، مع أنه قد يكون صغيراً؛ بينما تغفلون الجوانب الإيجابية والجزء الممتليء من الكوب، مع أنه قد يكون كبيراً.

وهذا يفسر لنا لماذا تنتشر أخبار الفضائح والجرائم عندنا انتشار النار في الهشيم، بينما تنتشر أخبار الإنجازات والنجاحات ببطء سلحفائي عقيم، لا يكاد يجد موطيء قدم وسط اهتماماتنا!

****

فما إن يقع أحدهم في خطأ كبير – خاصة إن كان من المشاهير من المسؤولين وأهل الدين والسياسة والفن – حتى ينسى الناس كل محاسنه وإيجابياته السابقة، وتسير بأخباره الركبان في شماتة واضحة وتشفٍّ ظاهر، وتمتلئ بفضائحه الأسافير ومواقع التواصل الاجتماعي، ويتناقلها الناس في سرعة البرق، وكأن الواحد منا ملك كريم، أو نبي معصوم، برأه الله تعالى من العيوب والنواقص!

*

معظمنا – إلا من رحم الله – لا نقدِّم عند انتقادنا لأحد إيجابياته على سلبياته، وإذا رأينا الإيجابيات غضضنا الطرف عنها ولم نُثنِ على صاحبها، حتى إذا أخطأ سارعنا في انتقاده، ونسينا جوانب الخير فيه، وذكرنا إخفاقاته مع أنها قد تذوب في بحر حسناته وإشراقاته؛ وهذه نفسية مريضة مثبطة للهمم، يرتفع لديها الحس النقدي، وتدمن اصطياد الأخطاء، وتنشغل بعيوب الناس عن عيوبها. نفسية قال عنها الشاعر:

ترى الشوك في الورود وتعمى*** أن ترى فوقها الندى إكليلا

*

وننسى أننا كان يمكن أن نفتضح بين الناس لولا ستر الله علينا ورحمته بنا؛ وإلا فإن بعضنا يرتكب من الموبقات والمعاصي في الخفاء ما يفوق أضعاف من نشمت فيهم ونسارع في نشر فضائحم، بدلاً من أن نسأل الله السلامة والعافية، ونحمده على نعمة الستر، وأن عفانا مما ابتلى به غيرنا! قال أحد الصالحين: (لو كان للذنوب رائحة ما جالسني منكم أحد).

وقال بعضهم:

والله لو علِمـوا قبيـح سريرتـي***لأبى السـلامَ علـيّ مـن يلقانـي

ولأعرضوا عني وملّوا صُحبتي***ولبـؤتُ بعـدَ كرامـةٍ بـهـوانِ

لكنْ ستـرتَ معايبـي ومثالبـي***وحَلمتَ عن سقطي وعن طغياني

فلـك المحامـدُ والمدائـحُ كلهـا***بخواطري وجوارحـي ولسانـي

*

وقد جاء في الحديث ذم من ينشغل بعيوب الآخرين مع أن عيوبه قد تفوقها من حيث الشناعة والسوء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع في عينه!)، [السلسلة الصحيحة: 33] [القذى: أذى أو تراب يقع في العين أو في الماء، والجذع هو واحد جذوع النخل].

*

الصحيح إذا أحسن الإنسان أن نسارع بالثناء عليه والإشادة به؛ حتى نشحذ همته ونشجعه للمزيد من العطاء والبذل، وفي المقابل نتغاضى عن هفواته إن كانت صغيرة، وننبهه عليها على انفراد إن كانت كبيرة حتى يتقبل النقد والتوجيه، إلا إذا تمادى أو تكبر فحينها قد يستدعي الأمر أن ينبه عليها علناً.

والصحيح إذا أرسل إلينا أحدهم خبر فضيحة أو تشهير بشخصية ما، أن لا ننشره وأن ننصحه بعدم نشر مثل هذه الرسائل.

*

ولو انشغل كل منا بإصلاح نفسه ومعالجة عيوبه لانصلح حالنا وحال مجتمعاتنا، ولاستثمرنا أوقاتنا فيما يعود علينا بالنفع والخير، أما انشغالنا بعيوب الآخرين وتصيدنا لهفواتهم فهو مما يعود علينا وعلى مجتمعاتنا بالوبال والفرقة، ومما يثير الضغائن والأحقاد. يقول ابن القيم –رحمه الله- في كتابه “طريق الهجرتين” (ص271): (طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسي عيبه وتفرَّغ لعيوب الناس، فالأول علامة السعادة، والثاني علامة الشقاوة).

*

ولنتذكر أن من ستر مسلماً في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة كما في الحديث، وأن عقوبة من تتتبع عيوب الناس وتجسس عليهم وفضحهم هي أن يهتك الله ستره كما هتك ستر الآخرين، و(الجزاء من جنس العمل)، ففي الحديث: (يا مَعْشَرَ من قد أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ، ولم يُفْضِ الْإِيمَانُ إلى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، ولا تُعَيِّرُوهُمْ، ولا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فإنه من تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ في جَوْفِ رَحْلِهِ).رواه الترمذي (2033)، فوصف النبي عليه الصلاة والسلام من يفضحون الناس وينشرون مساوئهم بأنهم أسلموا بألسنتهم ولم يدخل الإيمان قلوبهم!

قال الحسن البصري رحمه الله : (أدركنا أقواماًلم تكن لهم عيوب، فتكلموا في عيوب الناس؛ فأظهر الله عيوبهم، وأدركنا أقواماً كانت لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس؛ فستر الله عيوبهم).

المرء إن كان عاقلا ورعَا***أشغله عن عيوب غيره ورعُهْ

كما العليل السقيم أشغلهُ*** عن وجع الناس كلهم وجعُهْ

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *